أبي منصور الماتريدي

273

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

من عليه المال . فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي ، أو كان له حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى . ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر ، فله خصومته ، وإذا كان شرط سقطت الخصومة ، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل ، ثم النظرة بالاختيار ممن له الحق ، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبى . دليله قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لصاحب الحق اليد واللسان » « 1 » . أما اللسان فيتقاضاه ، وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه . ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد إلى أن يمضى ذلك الوقت ، [ فإذا مضى ذلك الوقت ] « 2 » ثبت له حق اللسان واليد . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، يعنى برءوس الأموال إذا ظهر إعساره . وعن الضحاك « 3 » - رضى اللّه تعالى عنه - أنه قال في قوله : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، قال : أخذ رأس المال حسن ، وتركه أحسن . وإنما الصدقة على المعسر ، فأما على الموسر فلا . وفيه دليل جواز صدقة الدين وهبته ممن عليه دين ، وهو الأخير له إذا ظهر إعساره وفقره . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . قال عامة أهل التأويل : إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكذلك روى عن ابن عباس « 4 » ، رضى اللّه تعالى عنه . فإن كان ما ذكروا فهو - واللّه أعلم - أنه عزّ وجل رغبهم في ذكر ذلك اليوم ؛ لما في ترك ذكره بطول الأمل ، وطول الأمل يورث الحرص ، والحرص يورث البخل ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات . فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به هذا ؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء . واللّه أعلم . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : ويصير كأنه قال : اتقوا وعيده تعالى في جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2609 ) ، ومسلم ( 120 / 1601 ) ، عن أبي هريرة بلفظ : « إن لصاحب الحق مقالا . . . » . ( 2 ) سقط في ط . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6301 ، 6302 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6308 ، 6309 ، 6312 ) .